الإستراتيجية الأمريكية الجديدة في العراق، ومعالم تكوين الدولة الكوردية..

الدكتور: محمد سيد نوري البازياني
ورقة قددمت الى اسبوع المدى الثقافي في أربيل – العراق يوم 1/5/2007، وتم قراءته من قبل الباحث، في القاعة المخصصة للفكر والسياسة في فندق شيراتون في أربيل- العراق.
سبق أن تطرقنا في دراساتنا السابقة في مجلة الهدى)[1]( ، فكرة تفتيت العراق بين الوهم والحقيقة، وموقع الكورد من هذا التفتيت، وتوصلنا إلى حقيقة مفادها أن العراق سائر إلى التقسيم وتكوين أكثر من ثلاث دويلات، الا أن الأحداث بعد 9-3-2003 وسقوط النظام العراقي من قبل الأمريكان، جعلت الرؤية والمعلم أكثر وضوحاً، حيث أن العراق مقسمة فعلياً الى أكثر من ثلاث مناطق نفوذ، إقليم كوردستاني في كوردستان العراق، تضم رئاسة مجلس الوزراء، ورئاسة حكومة إقليم كوردستان، وجيش وشرطة وحرس حدود خاصة بالإقليم، وعلم كوردي من دون رفع العلم العراقي، ومطارتقلع من أربيل ومن السليمانية إلى أوروبا وآسيا ,افريقيا، وإدارة شيعية في جنوب العراق، وإدارة في الفرات الأوسط (نجف وكربلاء المقدسة)، إما بالنسبة الى العرب السنة في وسط العراق والمناطق السنية الأخرى، فهناك مؤشرات جديدة تشير إلى اقتناع أهل السنة بفكرة الفدرالية، وأجل وأوضح دليل على ذلك استفتاء الحزب الإسلامي لعناصره المتقدمة والمراكز البحثية، في داخل العراق وخارجها حول جدوى تشكيل إقليم سني لأهل السنة، ومحاولاتهم العقيمة على الحفاظ على عراق موحد ولو من دون كوردستان العراق، كالذي جرى أخيراً من استفتاء عناصرهم في كركوك حول تطبيق المادة 140 من الدستور العراقي الفدرالي.
ومن اجل البحث العلمي المجرد أرتأينا أن نسلط الضوء على تصريحات القيادة الكوردية وزعماء الأحزاب العراقية وتصورات رؤساء وساسة الدول الإقليمية المحيطة بالعراق، وساسة الدول الغربية ومن ثم المراكز البحثية.
- تصريحات القادة الكورد:
على سبيل المثال لا الحصر:
1- يقول السيد مسعود البارزاني رئيس إقليم كوردستان:
(( ان إقامة دولة كوردية حق لشعب كوردستان وهذا ليس بخيال كما يقول المسؤولون الاتراك)).
بتأريخ 26- 2- 2007 وفي مقابلة مع قناة (NTv) التركية تحدث السيد مسعود البارزاني رئيس إقليم كوردستان عن المسائل المتعلقة بإقليم كوردستان والعراق والمنطقة ومستقبل شعب كوردستان، وأشار في بداية المقابلة الى طمس الهوية الكوردية من قبل الأتراك غير أن محاولاتها بائت بالفشل. وقال إن الكورد قومية مؤلفة من 40 مليون نسمة وتعرض شعب كوردستان الى ظلم تأريخي وتم تقسيمه على دول المنطقة خلافا لتطلعاته، وأكد رئيس إقليم كوردستان أن إقامة دولة كوردية حق لشعب كوردستان وهذا ليس بخيال كما يقول المسؤولون الاتراك، متمنيا حل المشاكل بين الشعب الكوردي ودول الجوار، وقال إن على الترك والفرس والعرب ألا يعتبروا اسنقلال شعب كوردستان خطأ وتهديدا لهم ويجب أن يزول هذا التصور مستقبلا وهذا يصب في مصلحة الجانبين، وأوضح الرئيس البارزاني أنه اذا ما استمر العنف فلا يمكن تحقيق هذا الامر ولاحل أية مشكلة، وعبر عن أمله في أن توحد دول الجوار مواقفها بهذا الشأن([2]).
وفي مقابلة صحفية أخرى صرح السيد مسعود البارزاني بتأريخ 22-3- 2007:
(( لا أستبعد من أن تكون للأمة الكوردية دولة مستقلة في يوم من الأيام، واعتبر تأسيس تلك الدولة حقاً شرعياً للكورد، ويجوز أن يأتي ذلك اليوم ويكون لنا شرف إعلان تلك الدولة والتي تضم 40 مليون مواطن، وتكون لها القدرة على الديمومة والبقاء))([3]).
2- كما أن السيد جلال الطالباني رئيس جمهورية العراق، يشير في كثير من تصريحاته الصحفية إلى أن للكورد الحق في تقرير مصيره، ولكن اختيارنا الآن وفي الوقت الحاضر هو في تكوين عراق اتحادي فدرالي ديموقراطي موحد، أي أنه لايستبعد مستقبلا في تكوين دولته المستقلة على أرض كوردستان. لأن مارش الإتحاد الوطني الكوردستاني الذي يتزعمه هو (( حق تقرير المصير الهدف الأسمى للكورد)).
3- حتى أن اوجلان بالرغم من كونه في الأسر لدى الحكومة التركية فإنه يهدد بإعلان دولة كوردية مستقلة فى تركيا حال استمرار الضغوط:
حيث هدد عبد الله أوجلان زعيم منظمة حزب العمال الكردستانى بتأريخ 17-1-2007
بأن الكورد سيعلنون دولتهم المستقلة فى جنوب شرق تركيا اذا استمرت الضغوط عليهم فى
ازدياد ، قائلا : " إننا لا نرغب في ذلك لأنه سيفتح المجال لوقوع حرب دامية في
المنطقة.
واتهم أوجلان فى تصريحات لقناة "روز تى فى" التابعة لمنظمة النخبة
السياسية التركية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار بعدم القدرة على ادراك حجم
المخاطر الإقليمية، وقال أوجلان: إن تكالب حزب العدالة والتنمية بزعامة رئيس
الوزراء
رجب طيب أردوغان على السلطة أعمى بصيرة قادته عن رؤية الأوضاع الإقليمية الراهنة.
- إستطلاع رأي شعب كوردستان:
في أحدث إستطلاع أجرتها منظمة (point) شملت 1000 شخص من مختلف القوميات والمذاهب والاثنيات ( كورد توركمان عرب كلدوئاشور...) في خمس محافظات ( أربيل، السليمانية، كركوك، دهوك، الموصل) وهذا الإستفتاء شمل الشارع الكوردي لمعرفة طبيعة الشارع حول حق تقرير المصير وتكوين الدولة الكوردية، فكانت النتيجة أن 83.3% من هؤلاء المستفتين كانوا على قناعة تامة من أن الكورد في العراق لهم الحق في تكوين دولتهم المستقلة، لأن هذه الحقيقة مترسخة في أذهان وفي فكر الكوردستانيين، وأنهم يرون أن حلول الحكم الذاتي والفدرالي، حلول مؤقتة ([4]).
- تصريحات القادة والساسة العراقيين:
على سبيل المثال لا الحصر:
1- تصريحات السيد عبدالعزيز الحكيم في تكوين فدرالية الفرات الأوسط وفدرالية الجنوب أسوة بفدرالية كوردستان العراق([5]).
2- قول السيد طارق الهاشمي نائب رئيس الجمهورية العراق في مقابلة صحفية أجريت له مع نخبة من الإعلاميين الكويتيين في الكويت العاصمة وتناقلتها محطات التلفزة العالمية بتأريخ 7/2/ 2007(( ان الدستور العراقي يدعو الى التقسيم بدلاً من التوحيد، حيث أن الإقليم بموجب الدستور من حقه تشكيل قوة حرس الحدود والحرس الوطني والشرطة، ولم يتحدد نوع السلاح وعدد الأفراد في هذه التشكيلات ، بل أصبح مطلقاً)).
3- وفي برنامج حديث النهرين ليلة 18/4/2007 صرح الأستاذ عبدالكريم السامرائي النائب عن جبهة التوافق العراقية والقيادي في الحزب الإسلامي العراقي عند مناقشة لجنة اعادة الدستور حيث ذكر في حديثه: (( أن موضوع سلطات الأقاليم يخوفنا..)).
4- أية الله جواد الخالصي صرح ليلة 2/5/2007 في برنامج بلا حدود أن الأمريكان بإفتعالهم الصراع الطائفي بين الشيعة والسنة يكرسون مبدأ تقسيم العراق.
5- قول الدكتور منذر الفضل السياسي والقانوني العراقي في كثير من تصريحاته سواء في مؤتمرات المعارضة العراقية في لندن أم في صلاح الدين قبل سقوط النظام، أم في المجلس النيابي العراقي، حيث يقول: (( أن الحل الوحيد للعيش بسلام في المنطقة هوحق الكورد في تكوين دولتهم المستقلة، وتقسيم العراق لكي تصان كرامة الإنسان. ))([6]).
- تصريحات القادة والساسة والكتاب الأمريكان حول تقسيم العراق وتكوين الدولة الكوردية:
تعمل أمريكا على تقسيم العراق منذ أن استولى الزعيم العراقي عبدالكريم قاسم على الحكم عام 1958 م فقد طرحت عليه فكرة أن يكون العراق دولة اتحادية من ثلاثة أقسام، ولم تتراجع أمريكا منذئذ عن مخططها([7]).
ومن أجل الوصول الى هذا الهدف الإستراتيجي عملت أمريكا وتعمل على تهيئة أرضية نفسية لموافقة الكورد أنفسهم، وموافقة الدول الإقليميةالمعنية وخاصة تركيا. لذلك تسير أمريكا في اتجاهين، أولهما المصالحة بين الجماعات الكوردية لإيجاد بنية سلطوية كوردية، وبخاصة بين الحزبين الكبيرين، الحزب الديمقراطي الكوردستاني بزعامة مسعود البارزاني، والاتحاد الوطني الكوردستاني بزعامة جلال الطالباني، وثانيهما إقناع تركيا بالفكرة، وذلك بتأيدها للإنضمام الى الدول الأوروبية، وإمتيازات في نفط إقليم كوردستان، وضمان عدم تدخل كورد العراق في شؤون كورد توركيا، وضمان الحقوق القومية لتركمان العراق، ولو على شكل حكم ذاتي في كركوك.
ومن أجل المصالحة الكوردية الكوردية أخذت أمريكا على عاتقها إرسال المبعوثين الى كوردستان العراق منذ عام 1995 ، وكان وفد الكونغرس الأمريكى سباقة في الوصول الى المنطقة الكوردية، كما وصل ( روبرت دويتش) في منتصف تشرين الثاني 1995 الى المنطقة وهدد الحزبان بأن يلتزما بالمصالحة، وإن لم يعملا على إعادة الإستقرار فسوف تعمل أمريكا بقطع المساعدات الأمريكية، كما أوصاهما بإجراء انتخابات بلدية في شهر آيار القادم كجزء من ايجاد البنية التحتية للدولة([8]).
وتوجت المحاولات في اتفاقية واشنطن بين الزعيميين الكورديين مسعود البارزاني وجلال الطالباني في ليلة الخميس 17 سبتمبر 1998 وبرعاية الحكومة الأمريكية وبإشراف مباشر من وزيرة خارجيتها مادلين أولبرايت([9]).
وبعد سقوط النظام العراقي تم إجراء انتخابات وتم تشكيل حكومة اقليم كوردستان الموحدة من جميع الفصائل الكوردية وتم اختيار السيد نيجريفان البارزاني رئيسا لتلك الحكومة في عام 2006.
أما على الصعيد التركي فقد ارسلت أمريكا مبعوثين وبالأخص الخبير الإستراتيجي (غراهام فاولر)، نائب رئيس الإستخبارات السابق والخبير في شؤون الشرق الأوسط في شهر آب 1995 الى أنقرة لإقناع الأتراك بتقسيم العراق وايجاد دولة كوردية في كوردستان العراق، والتقى فاولر بالعديد من المسؤولين والباحثين الأتراك وعرض عليهم وجهة النظر الأمريكية.. ومما قاله (( ان العراق يجب أن يقسم الى ثلاثة أقسام وبهذا ترتاح تركيا ، أن أمريكا مصممة على خطتها لإقامة دولة كوردية))([10]).
وما زال الوفود الأمريكية تتوالى على المنطقة الكوردية منذ 1995 وبعد سقوط النظام العراقي وتكوين الدولة العراقية وإجراء الإنتخابات وسن الدستور الدائم للعراق، ومشروع مسودة دستوراقليم كوردستان، واختيار السيد مسعود البرزاني رئيساً للإقليم، والسيد مام جلال رئيساً للحكومة العراقية.
ومن إجل التوثيق لابد من عرض رؤية عراب الإستراتيجية الأمريكية هنري كيسنجر، وبعض المهتمين بالإستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط الجديد من أجل الوصول الى الهدف من الدراسة:
أ- تصورات هنري كيسنجرحول مستقبل العراق وتكوين أربع كونفدراليات:
يقول كيسنجر (( إن إقامة عراق كونفيدرالي يعتمد على توازن القوى وتوازن المصالح، يتطلب بالدرجة الأولى تشكيل "مجموعة اتصال دولية" من بينها إيران وسوريا وتركيا لتوفير شيء من توازن مستقر داخل الفصائل العراقية. ويذكر أن حكومة بوش خلافا لما توصي به لجنة بيكر - هاملتون ، ما تزال حتى الآن ترفض منح سوريا وإيران دورا رسميا في عملية فرض الاستقرار في العراق([11]).
كما انه لا يبخل في تسديد النصح كل النصح لادارة بوش في احتواء العراق وايران ، وعلى جعلهما في طوع امريكا بالترهيب والترغيب ، وعلى ضرورة تفتيت مايمكن تفتيته من دول المنطقة ، تحقيقا لطلبه في الهيمنة على مصادر الطاقة ، وحماية التفوق الاسرائيلي عسكريا واقتصاديا .
ان رجل بهذا المستوى من القابلية على الابداع في فن البحث عن الممكن من العلاجات الملموسة لمشاكل متوقعة بفعل مقدماتها او استطراداتها الاستراتيجية ، والعولمية ، والتي تصب بمصلحة طغم راس المال المالي الامريكي العابرة للقارات والدائرة حول الارض بمدارات الهيمنة المؤهلة بتركز وتمركز معدلات النمو الفعلي لاسواق العالم وتجارتها ، وبتفوق قدراتها على الردع ، وعلى سرعة معرفة المعلومات ، وتحت شعار الحصانة والصيانة ، تحاول دوائر القرار الامريكي ومؤسساته التابعة ، النزوع المتسارع لتحقيق ما رسمه علماء نهجها الاحتكاري الذي يحاول اعادة انتاج نفسه وباي ثمن كان وعلى حساب ايا كان !
هو نفسه الذي ساهم وبشكل فاعل في انقاذ امريكا من مستنقع فيتنام ، بعد ان انهارت هيبتها وسمعتها ومصداقية قوتها ، فكان بطل مباحثات السلام في باريس رغم انه كان مفاوض مهزوم ، في مواجهة بطلة منتصرة من الطراز الفيتنامي " نغوين ثاي بنة " الذي لقن جيش العم سام دروسا مازالت حية في اذهان ونفوس الامريكان قبل الفيتناميين .
الموضوع برمته لم يكن ابن ساعته انه جوهر المشروع الامريكي الخاص بالعراق والذي بوشر بتنفيذه حرفيا وعن قرب بعد ان كانت الممهدات تعمل وفي كل الاتجاهات قبل احتلال العراق في 9 / 4 / 2003 وعن بعد ، وباقتراب متدرج ، منذ حرب الخليج الاولى حتى الاخيرة، لقد كانوا يعرفون ماذا يفعلون عندما حددوا مناطق الحظر الجوي وقسموا العراق جويا الى ثلاثة اقسام عام 1991 ، وترافق هذا مع تكريسهم العملي لروح التقاسم الطائفي والقومي بين فصائل المعارضة العراقية التي اخذت تتبناها وتعيد تأهيلها امريكيا لتلعب بها لعبتها الراهنة ، علما ان اغلب فصائل هذه المعارضة كان قبل الامركة يعارضون بيافطات سياسية وطنية عامة يغلب عليها طابع الدعوة للديمقراطية ودولة الدستور والمؤسسات ، وهذا ما عرفته جبهات دمشق لقوى المعارضة طيلة عقد الثمانينات !
وبعد احتلال العراق طبقوا خططا مدروسة وممحصة ومفحصة ، في ادق تفاصيلها ، فكان تشكيل مجلس الحكم على نفس اسس التقاسم الطائفي والقومي ، الذي يترجم قرارات التقسيم الجوي وينزلها ارضا لتتطابق الخطوط ، وكان حل الجيش العراقي الذي يعتبر بلازما الوطن ، وتشكيل جيش جديد تقاسمي النزعة ، ثم شرع قانون ادارة الدولة الذي قنون التقسيم والتهشيم وجعلهما حالة دستورية ، استنبطها الدستور الدائم لاحقا ، ثم قانون الانتخابات ومفوضيتها ، وهكذا دواليك، ومنذ ان ارتطم تقسيمهم الجوي بالارض كانت الارض ترفضه وتتمرد عليه ، لكنهم بالمسح جوا وبرا استطاعوا تامين قواعد ثابتة ومتحركة لهذا التقسيم ، علما ان كل الذي جرى ويجري بثياب تتزين بعلم الوحدة العراقية ، وتنفي بل وترفض اية اتهامات عن تفتيت العراق الى ثلاث او اربع دول جديدة ، لانها فعلا لاتنوي اعلان قيام دول جديدة في هذه المرحلة ، فالحقيقة هم يعملون على قيام نواتات دول تحت مظلة الحكم الذاتي والفدرالية ، والغرض واضح ، الغاء الدولة العراقية الموحدة القوية ، واستبدالها بدولة مهلهلة ضعيفة ، تتجاذبها توازنات اقاليمها ، حيث تصفر الدورة الدموية الكبرى في بغداد لصالح الصغرى في الاقاليم ، والتي ستكون بحاجة متواصلة لحماية امريكية !
فقد ذهب كيسنجر ابعد من ذلك عندما طالب بادارة دولية للعراق ، ووصاية لاجل غير محدود ، حتى تكون براءة لذمة امريكا من خططها المنفذة ، والتي باركها كيسنجر بكل قوة وتحريض ، ومعنى دعوته هذه ان مركز الحكم في بغداد يكون للوصاية ، والاقاليم تحكم نفسها بنفسها وتحت رعاية امريكية مباشرة ! .
هذا الوصف قائم العمل به ، اما ماذا وراء التصريحات والتسريبات الامريكية الاخيرة التي شارك بها حكماء ساستها المخضرمين ، واعضاء في الكونغرس ، ومنهم جوزيف بيدن العضو الديمقراطي والمرشح المحتمل لانتخابات الرئاسة 2008 ، جيمس بيكر، وهنري كيسنجر ، وبوش ذاته مع طاقم حكومته ، فهي حقيقة تحمل وجهين الاول داخلي امريكي يريد اشاعة روح جدية الادارة في البحث عن مخارج حقيقية ودائمة للوضع في العراق خاصة بعد الهبوط الكبير في شعبية الرئيس الامريكي بسبب خيبات الوضع في العراق ، والوجه الثاني الى الداخل العراقي ومحيطه ، وهو يقول ان امريكا وشعبها ضاقا صدرا من الوضع غير المستقر وهي عازمة على تنفيذ ما ابتدأته في تكوين الحكومات الاقليمية ، التي ستجعل التصارع على حكم بغداد امر لا معنى له ، وبهذا المعنى فان حكومة اقليم كوردستان هي النموذج ، واي نموذج !؟
ب: أما الكاتب الأمريكي (بيتر غالبريت)([12]) في كتابه – نهاية العراق([13])- الحلقة (1) فيقول:
(( كيفما تقلب اوجه افعالهم واقوالهم " ويقصد به الساسة والقادة الأمريكان" ، فانك تجدهم سائرون نحو التقسيم الفعلي غير المعلن للعراق ، واختلافاتهم على الاخراج النهائي فقط )).
ويتسائل من الذي يقف وراء دفع الأحداث باتجاه تقسيم العراق..؟ ويصل الى نتيجة مفادها أن الأمريكان وراء هذا التقسيم، حيث يقول: (( أنه ليس من قبيل الصدفة ان هناك العديد من المثقفين والمسؤولين الاميركيين الذين يحاولون تهيئة الرأي العام العالمي لقبول تقسيم العراق إلى ثلاث دويلات والدفع بصفة خاصة في اتجاه قيام دولة كردستان، ومن بين هؤلاء هنري كيسنجر وزير الخارجية الأميركي الأسبق، الذي أصبحنا نعرف الآن انه في مقدمة مستشاري الرئيس الأميركي من خارج نطاق الإدارة الأميركية)).
يقدم المؤلف (بيتر غالبريث) الذي يتمتع بخبرة طويلة في شؤون العراق، وجهات نظر متعمقة عن أسباب فشل الاحتلال الأميركي للعراق، والإعداد السيئ لمواجهة الفوضى التي سادت في أعقاب الغزو وعقم وفساد سلطة الاحتلال.
وهو يرى (( أنه بعد النهاية التي وصل إليها صدام حسين وانحلال حزب البعث العراقي والجيش، أصبح العراق مقسما لثلاث مناطق، هي منطقة كردستان في الشمال، ومنطقة الجنوب الشيعية، والمنطقة السنية التي تتركز فيها أعمال العنف في وسط العراق)).
ويقول في نفس الكتاب: (( فإنه لم يعد بوسع أميركا الآن أن تعيد للعراق وحدته السابقة مرة أخرى، كما أنه ليس بوسعها أن توقف الحرب الأهلية)).
ويذهب المؤلف إلى حد انتقاد ما يسميه بالمحاولات الأميركية لإعادة توحيد الدولة العراقية، ويقترح بدلاً من ذلك أن تنسحب الولايات المتحدة من «العراق العربي» على حد قوله، وتقوم بتسهيل «طلاق هادئ» بين الطوائف المتصارعة. ويبدو واضحاً انحياز غالبريث للكرد لطموحاتهم السياسية.
وكان المؤلف قد قام بدور المستشار السياسي لهم ( أي للكورد) خلال المفاوضات التي جرت مؤخراً على بنود الدستور العراقي، كما أبدى تعاطفاً تجاه قضيتهم ويميل غالبريث إلى الدفع باتجاه انفصال الأكراد عن الدولة العراقية.
وفي ذلك يقول:(( إن الولايات المتحدة قامت بغزو العراق، وكلها طموح في أن تحقق الديمقراطية بالعراق وتحوله بالتالي ليكون نموذجاً لبقية دول الشرق الأوسط. ولكن ما حدث كان عكس ذلك تماماً، فقد انقسم العراق إلى ثلاث مناطق، وعمت الفوضى أنحاء البلاد، وانتشرت أعمال العنف والتمرد، ليصبح العراق على شفا حرب أهلية كارثية)).
ويرى غالبريث: (( أن جورج بوش كان وراء تقسيم العراق عندما أصدر الأوامر بغزو العراق عام 2003. فالولايات المتحدة لم تقم بإزاحة صدام حسين عن السلطة فقط، بل دمرت أيضاً في وقت لاحق المؤسسات التي كانت تحكم الدولة وهي الجيش، قوات الأمن، وحزب البعث. ومع اختفاء هذه المؤسسات، وعدم انشاء مؤسسات بديلة تحل محلها، تلاشى الأساس الذي تقوم عليه الدولة العراقية)).
ويقول مؤلف الكتاب: (( إن الحسابات الاستراتيجية الخاطئة للإدارة الأميركية هي المسؤولة عما يحدث الآن في العراق. فالأميركيون فشلوا في فهم مدى عمق الانقسام العرقي والديني في العراق، ما أدى إلى وضع استراتيجيات غير سليمة وغير مدروسة لحكم العراق بعد سقوط صدام. وإلى عدم إنفاق الأموال اللازمة لإعادة بناء البلاد، وإلى بذل جهود عقيمة لإنشاء جيش وشرطة وطنيين، ثم تعيين مسؤولين أميركيين لإدارة العراق من الموالين لسياسة الحزب الجمهوري الأميركي، وليسوا من السياسيين أصحاب الكفاءات)).
ويرى غالبريث (( أنه من منطلق أخلاقي، فإن كورد العراق يستحقون الاستقلال شأن الليتوانيين والكروات والفلسطينيين ويتساءل: كان الشيعة الذين يمثلون الأغلبية في العراق، ويريدون إدارة شؤونهم بأنفسهم، أو يريدون قيام دولة خاصة بهم، فعلى أي مبدأ ديمقراطي يتم حرمان الكورد من القيام بالشيء ذاته..؟ وإذا كان ثمن عراق موحد هو قيام ديكتاتورية أخرى، فإنه سيكون ثمناً باهظاً للغاية)).
ويشدد المؤلف: (( على أنه يجب على الولايات المتحدة أن تركز الآن ليس على الحفاظ على عراق موحد، بل على تجنيب البلاد خطر نشوب حرب أهلية خطيرة ومدمرة. كما يجب عليها أن تقبل حقيقة انقسام العراق، وأن تعمل مع الشيعة والكورد والسنة على تعزيز مناطق هذه الأطراف الثلاثة، التي أصبحت بالفعل شبه مستقلة وإذا تحقق ذلك، فإن هذه المناطق يمكن أن توفر الأمن، على الرغم من أنها قد لا تتمتع جميعها بالديمقراطية)).
ويقول المؤلف: (( إنه لن يكون هناك سبيل إلى خروج سهل للأميركيين من العراق، وانه يتعين أن يتخلى الأميركيون عن استراتيجيتهم الحالية، التي تتلخص في السعي لإقامة مؤسسات وطنية، في وقت أصبحت لا توجد دولة، ويرى أن مثل هذه الجهود عقيمة ولن تؤدي إلى أي شيء مثمر وذلك في ظل ظروف تسودها الفوضى والاضطرابات الخارجة عن نطاق السيطرة)).
ويرسم الكاتب ما يراه السيناريو الواقعي لمستقبل العراق وهو قيام ثلاثة كيانات أو دويلات عبارة عن دولة كردية في الشمال موالية للغرب ودولة شيعية في الجنوب وثالثة تعمها الفوضى تتألف من العرب السنة في الوسط يتم تحديد هويتها فيما بعد.
ويقدم غالبريث العديد من الملاحظات التي تستحق الوقوف طويلاً عندها نظراً لأنه كان ضمن السياسيين الذين اعتمدت عليهم الإدارة الأميركية في توجيه سياساتها تجاه العراق.
يستقرئ المؤلف معالم ما أسماه بـ «الجريمة الكاملة» التي ارتكبتها إدارة بوش في العراق، وكيف أن الاستراتيجية الأميركية فشلت في الحفاظ على نسيج الوحدة في البلاد وما يتعين عليها عمله الآن، ويقول غالبريت: (( إن الأميركيين يخوضون الآن في العراق حرباً مفتوحة يمكن أن تستمر مئة عام، وأن سياستهم التي أعقبت غزوهم واحتلالهم للعراق قد مزقته ارباً، وانه لم يعد بإمكان الأميركيين ولا غيرهم إعادة توحيده، وأن حرباً أهلية مدمرة ستكون عنواناً للسنوات المقبلة، إلى أن يتم تكريس عملية التقسيم، والانتهاء من ترسيم حدود هذه الدويلات وكتابة شهادة ميلاد للعراق الجديد)).
ويطالب المؤلف البيت الأبيض بأن يعترف بخطئه ويقر بأن ما من شيء سيعيد توحيد العراق، وأن ينتهي بأسرع وقت من ترسيم الحدود الجديدة وتحديد البنود والعناصر التي ستحكم طبيعة العلاقات بين هذه الدويلات.
ويؤكد المؤلف أن معالم الدولة في العراق شهدت تلاشياً رويداً رويداً منذ الغزو، ليس بسبب الإطاحة بالنظام ولكن بتفتيت جميع مؤسسات الدولة. ويقول بالنص «علينا تصحيح استراتيجيتنا الحالية لأن محاولة بناء مؤسسات وطنية أو قومية في بلد دمرنا فيه كل أسس الدولة ومقوماتها ليس سوى جهد ضائع ولا يؤدي إلى أي شيء سوى الإبقاء على الولايات المتحدة في حرب لا نهاية لها».
ويتهم غالبريث إدارة بوش بجر أميركا للحرب من أجل الحرب ذاتها فقط، حيث كان لديها رغبة محمومة لتكرار تجربة أفغانستان، وكان الدور على العراق كهدف رأت أنه في غاية السهولة.
ويستشهد المؤلف بآراء الكثير من النواب الديمقراطيين والجمهوريين الذين أعربوا عن اعتقادهم بأن أميركا فعلت كل شيء من دون جدوى، وأنه لم يعد في مقدورها عمل شيء آخر، وأنه لا بد من الاعتراف بالفشل والرحيل، وترك العراقيين يخوضون معركتهم مع الحد الأدنى من التدخل الأميركي.
كما يتفق كثيرون على أن كل ما فعلته إدارة بوش في العراق أو ما ستفعله هو محاولات لا طائل منها سوى تحقيق ما لا يمكن عملياً تحقيقه، وأن كل ما تقوم به الآن هو محاولات مستميتة لحفظ ماء الوجه.
ويقول مؤلفنا إنه منذ غزو العراق سقط الألوف من العراقيين بين قتلى وجرحى، نتيجة انتشار أعمال لعنف الدموي بعد فشل سياسات الاحتلال الأمنية، كما سقط أعداد كبيرة من الجنود الأميركيين ما بين قتلى وجرحى أيضاً بسبب هذه السياسات التي لا توفر أي نوع من الأمن سواء للأميركيين أو لشركائهم في التحالف أو حتى للعراقيين.
وفي هذا الصدد يقول المؤلف إن سياسات بوش في العراق أدت إلى ظهور جماعات «إرهابية» تمكنت منذ اللحظة الأولى من السيطرة على البلاد، وانتزاع زمام المبادرة من سلطة الاحتلال، وبعد ذلك من الحكومة المؤقتة برئاسة إياد علاوي، ولاتزال تتحكم في مجرى الأمور حتى اليوم. وقد ظهر ذلك بجلاء عندما اغتال الإرهابيون رئيس بعثة الأمم المتحدة (سيرجي دي ميلو) ثم بعد ذلك (محمد باقر الحكيم) ومئات الشخصيات العراقية.
ويرى المؤلف أن تساهل القوات الأميركية إزاء أعمال النهب في بداية غزوهم للعراق كلّف الدولة العراقية مليارات الدولارات، كما أدى سماحها بتدمير المؤسسات العراقية إلى خسائر فادحة.
يبدأ المؤلف كتابه بفصل عنوانه «موعد في سامراء»، حيث يروي قصة العراق منذ أن تفاقمت الأزمة بينه وبين معظم دول المنطقة، وما عاشه العراق من حروب وويلات، على امتداد ربع قرن من الزمن، فتأخر كثيراً مقارنة مع التحولات العالمية سريعة الإيقاع. ثم يعود بعد ذلك إلى 22 سبتمبر 1980 عندما اندلعت الحرب العراقية ـ الإيرانية، ويشير إلى الدور الذي لعبته إدارة رونالد ريغان من خلال تسليح إيران، والذي انكشف بفضيحة «إيران غيت».
بعد ذلك يقفز بيتر غالبريث إلى أزمة أخرى عندما اندلعت عملية غزو الكويت ويؤكد على الدور الأميركي الخفي، وخصوصاً ما دار بين السفيرة الأميركية لدى العراق ايريل غلاسبي وصدام حسين، وصدمة العالم بغزو الكويت، ثم اندلاع الحرب ضد العراق وهزيمته وانسحاب الجيش العراقي وانهيار البنية التحتية للعراق واندلاع الانتفاضة التي ساهمت في تشجيع الأميركيين ثم خذلوا بعد ذلك العراقيين، ليقوم صدام حسين بسحقها من خلال معلومات سرية.
ثم يتناول المؤلف غطرسة صدام حسين خلال تلك الفترة، ثم وقوع أحداث 11 سبتمبر 2001 بعد ذلك ويتناول المؤلف أحداث الحرب على العراق وسقوط نظام صدام حسين وآثار السقوط، ومن ثم السياسة الخاطئة التي انتهجتها الولايات المتحدة منذ لحظة سقوط النظام و بداية أعمال العنف في الفلوجة بعد أعمال الشغب والنهب وتدمير المتحف العراقي والمكتبة الوطنية والمؤسسات المركزية باستثناء وزارة النفط، التي سعت قوات الاحتلال إلى حمايتها.
ويسجل المؤلف رؤيته لكل من جاي غارنر وبول بريمر، وفشلهما، من وجهة نظر العراقيين في إدارة العراق، ونجاحهما وخصوصاً بريمر من وجهة نظر الأميركيين من المحافظين الجدد من إيجاد الأزمات وإدارة أعمال العنف وترتيب ما يمكن تسويته على عجل من ديمقراطية وحكومة منتخبة ودستور دائم.
ويوضح المؤلف عقم اختيار بريمر لإدارة شؤون العراق في أحرج فترة تاريخية كان يمر بها العراق. ويقول في هذا الصدد: «إن بريمر لم يكن يعرف شيئاً عن العراق، ولم يزره من قبل قط، ولم يتكلم اللغة العربية، ولم يخدم أبداً في إطار أزمات العراق، ولم تكن لديه أية تجارب في البناء الوطني، وقد قضى أقل من أسبوعين فقط ليقرأ جدول أعماله الجديد قبل أن يصل إلى العاصمة العراقية بغداد في 12 مايو 2003».
وينتقل المؤلف إلى «كردستان» ليروي قصة هذا الإقليم ورؤيته له، منطلقاً من الدور الأميركي وتأثيره في إذكاء الصراع الداخلي في العراق، منذ بيان 11 مارس 1970 وزيارة كل من نيكسون وكيسنجر إيران وأثر تزويد الشاه محمد رضا بهلوي بالسلاح في دعم التمرد الكردي، ورفض العرض العراقي في عام 1974.
مما اضطر العراق من خلال صدام حسين إلى أن يتفق مع الشاه في 6 مارس 1975 على سحق الكورد في مؤامرة دولية تهندسها الولايات المتحدة وتربح منها إيران نصف شط العرب على حساب قضية عراقية كان بالإمكان حلها داخلياً بأبسط الوسائل وأخيراً، تستقل الإدارة الكردية فعلياً على الأرض في التسعينات، بعد هزيمة العراق في عام 1991، لتصبح اليوم قريبة جداً من الاستقلال وتحقيق الحلم الكوردي، لولا الرفض التركي وحسابات أنقرة الاستراتيجية التي تتلاقى مع إيران حول هذا الشأن.
وفي فصل بعنوان «الحرب الأهلية» يتناول المؤلف ظاهرة الحرب الأهلية بين السنة والشيعة في العراق والتي أوجدتها الإدارة الأميركية بتعزيز روح الانقسام السياسي القائم على الروح الطائفية التي تجد في المجتمع العراقي كل مادتها.
وفي الفصل الثالث «ثلاث دول.. هو الحل» حيث يرى المؤلف أن العراق كدولة موحدة قد انتهت إلى غير رجعة وأن الحل هو قيام دويلات ثلاث.
وفي الفصل الأخير «كيف الخروج من العراق» يعرب المؤلف عن اقتناعه بأن العراق الذي كنا نعرفه سابقا لا يمكن ان يعود للحياة مرة أخرى، بعد أن كتب الأميركيون شهادة وفاته، وان المخرج من العراق «القديم» هو تقسيمه، وانه يتعين على الأميركيين الآن استخراج شهادات ميلاد لثلاث دويلات.
يبدأ غالبريث كتابه بتصوير اللحظة التاريخية التي تم فيها اسقاط تمثال صدام حسين، ويقول يحلو للمسؤولين في إدارة بوش ان يرددوا دائما عبارتهم الشهيرة «لدينا حل لكل مشكلة» ولكن الذي فعلوه بالعراق يؤكد أنهم يفتعلون المشكلات ولا يجدون لها الحلول، ويقول انه منذ أن أسقط المارينز الأميركيون تمثال صدام بميدان الفردوس ببغداد، سارت الأمور مع أميركا في العراق من سييء إلى أسوأ، وانهارت طموحاتها المعلنة لإقامة نموذج ديمقراطي يمكن تعميمه في الشرق الأوسط.
وتبدو الولايات المتحدة الآن وكأنها ستبقى في حرب مفتوحة بالعراق إلى ما لانهاية وسط تصاعد ضغوط الطوائف التي نفد صبرها بالفعل، وباتت الحرب الأهلية هي العنوان الوحيد لعراق ما بعد صدام، وكان يمكن تفادي ما حدث لو كانت إدارة بوش قد وضعت سياسة حكيمة في تفادي الفوضى التي عمت العراق بسبب تساهل الأميركيين تجاه أعمال السلب والنهب وتدمير المؤسسات والهيئات الحكومية في بغداد.
ويتهم غالبريث إدارة بوش بارتكاب العديد من الأخطاء القاتلة في عراق ما بعد صدام وتبني استراتيجيات تؤكد عدم إدراكها لطبيعة عراق ما بعد صدام وفهمها لهذه البلاد متعددة الطوائف والأعراف وعدم إدراكها للنسيج المتداخل للمجتمع العراقي الذي لم يكن في يوم الأيام منفصلا عن بعضه الآخر، ولا نافرا بعضه من الآخر، وإذا كان هناك اختلاف ثقافي فإن هذا الاختلاف لم يرتق إلى درجة نفي الآخر وإبادته.
ويرى المؤلف أن هذه الأخطاء الأميركية قد تحول دون نجاح عمليات الإعمار، أو إقامة أي حكومة مركزية في المستقبل، ويقول المؤلف أن المأزق الذي وضعت إدارة بوش العراق فيه هو دفعها للأمور في طريق يمكن ان يطالب فيه البعض بإقامة ديكتاتورية لاستعادة الأمن المفقود والدولة الموحدة.
وفي الشأن السني فإنه يمكن تفهم الخوف السني المحق. لكن الهاجس الأكبر اليوم هو ليس فقط على مستقبل السنة بل على مستقبل العراق ووحدته، وهذا الاحتمال ليس ببعيد؛ فتقسيم العراق إلى ثلاث دويلات بدأ يتردد صداه بقوة لدى أوساط سياسية وثقافية أميركية وكان أول من بشّر به هنري كسنجر. وأخيرا نشر شلومو أفنيري (الأستاذ بالجامعة العبرية بالقدس) مقالا بعنوان "العراق المفتت" دافع فيه عن فكرة إقامة ثلاثة دول مستقلة بدلا من دولة واحدة وهي ذات الفكرة التي لمّح إليها توماس فريدمان وغيره من الكتاب الأميركيين.
ج - أما أندرو أكسيم مدير مركز الدراسات الإستراتيجية الأمريكية لشرق الأدنى: يقول ((لا يسمح للعلم العراقي أن يرفع في كوردستان بقانون، فكيف يُتكلم عن الروح الوطنية العراقية ومقاومة الأمريكان([14]).
- مخاوف الروس من تقسيم العراق:
أعرب زعيم الحزب الشيوعي الروسي (غينادي زيوغانوف) عن شكه في نجاح الإستراتيجية الجديدة لجورج بوش في العراق .
والتي تتضمن إرسال أكثر من 20 ألف عسكري أميركي إلى هذا البلد وانتقد زيوغانوف سياسة الولايات المتحدة في العراق بشكل عام، ووصفها بأنها عدوانية وشريرة ويبدو أن موسكو على يقين من أن ما أعلنه بوش من إستراتيجية " جديدة " للعراق وللشرق الأوسط ستفشل عاجلا أم أجلا ، ويبدو أنها ترى أيضا أن ثمن هذا الفشل سيكون كبيرا بالنسبة للولايات المتحدة ودول المنطقة وهذا يعني أن موسكو ربما ترى أن هذا العام سيشهد الكثير من الصراعات العنيفة بين حليفين ترغب واشنطن في صدامهما وفقا لنظريتها في الفوضى الخلاقة( [15]).
- مؤشرات تقسيم العراق لدى الدول الإقليمية المحيطة بالعراق وتكوين الدولة الكوردية وبالأخص تركيا وإيران وسوريا:
لا جدال في أن الهاجس التركي من قيام الدولة الكوردية غالبا ما يتخذ طابعا دون كيشوتيا، إلا أن حكومة بولند أجويد كانت تهرب الى الأمام في حملة التخويف التي تمارسها من قيام دولة كوردية، فتركيا أدرى دول المنطقة بأن قطع الطريق على الإنفصال الكوردي عن كيانها لا يتم الا بتخويف القريب والبعيد من " الدولة الكوردية" بل بإعطاء الأكراد داخل حدودها حقوقا لم تعد مشروعة بقدر ما تعتبر طبيعية بمفاهيم ربع الساعة الأخير من القرن العشرين، وبداية القرن الواحد والعشرين. وأدناه بعض تصريحات الروؤساء والقادة الترك:
1- تصريحات الرئيس سليمان ديميريل رئيس الوزراء التركي الأسبق والرئيس مسعود يلماز رئيس حزب الوطن الأم :
علق رئيس حزب الوطن الأم ( يلماز) في لقاء مع الرئيس ديميريل على هامش مباحثات ايرلندة بقوله: (( إن اجتماعات دبلن تمضي الى إقامة دولة كوردية مستقلة، وأخشى أن نكون أداة لذلك، ان القلق ينتابني..! ))، فأجابه " ديميريل" (( وأنا أشاركك هذا القلق..!))([16]). ويعلق مسعود يلماز على تصريحات وزير الخارجية الأمريكي الأسبق ريتشارد هول بروك حينما يقول: " أن الإدارة الأمريكية لا تنوي تقسيم العراق بل تفضل اقامة نظام فدرالي يضمن حقوق الكورد في شمال العراق" فيقول يلماز: ((أنه بداية لتأسيس دولة كوردية ، وأن هذا الحل سيؤدي لقيام دولة كوردية مستقلة تضم مناطق شمال العراق ومنطقة جنوب شرق تركيا))[17].
ويجزم بلند أجويد زعيم حزب اليسار الديمقراطي التركي السابق، بأن الولايات المتحدة الأمريكية تسعى لإقامة دولة كوردية في شمال العراق، تحت حمايتها، وقال: (( انه لا يصدّق الذين يقولون عدم تقسيم العراق، لأن العراق دولة مقسمة بالفعل وأكد أن خطة إقامة الدولة الكوردية ستمر بمراحل ثلاث، اقامة دولة كوردية في شمال العراق، وربط هذه الدولة بعلاقات فدرالية مع تركيا، والثالثة اعلان الإستقلال التام عن تركيا ))[18]
2- تصريحات رئيس أركان الجيش التركي السابق ( دوغان غوريش)، حيث يقول: ((إن الغرب كان يريد من خلال قوة المطرقة تأسيس دولة كوردية، ولكن معارضة تركيا ودول المنطقة حالت دون ذلك))([19]).
3- ذكر كمال شنكال الضابط التركي المتقاعد وعضو الجمعية الوطنية المدنية في مدينة مارسين التركية (( أن القوى الإستعمارية تحاول انشاء دولة كوردية في شمال العراق))([20]).
أما مخاوف أردوغان وعبدالله كول، وتصريحاتهم فحدث ولا حرج، ولا يسع المجال في هذه الوريقات أن نسلط الضوء عليها، وإنما نكتفي بتصريح أوردوغان رداً على تصريح مسعود البارزاني رئيس اقليم كوردستان حينما قال في لقاء مع قناة العربية في شهر نيسان من هذا العام، (لنا الحق في التدخل في شؤون أكراد دياربكر الكوردية في تركيا إذا تدخلت الترك في شؤون كركوك والمادة 140 من الدستور العراقي)، أن الكورد يلعبون بالنار وأنهم سوف يدفعون ثمن تصريحاتهم([21]).
- أما الجمهورية الإسلامية الإيرانية وسوريا، فلا تقل مخاوفهما عن مخاوف الترك، حيث اتسمت هاتان الدولتان بالتنسيق مع تركيا لمنع قيام تلك الدولة، وأبديا معارضتهما لتقسيم العراق تحت أي ظرف، وما الإجتماعات واللقاءات المتكررة منذ أعوام 1992 والى بعد سقوط النظام العراقي في عام 2003 والى الآن إلا لإعاقة قيام تلك الدولة.
أما الدول العربية، فلا نجد اليوم معارضة يذكرحول تأسيس تلك الدولة لكونهم مرهوبون من المثلث الشيعي والصراع السني الشيعي، ففي نظرهم إقامة الدولة الكوردية السنية ، وتكوين دولة سنية في المناطق السنية العربية خير ضمان لمنع هذا المد ، أي أصبحت هذه الفكرة مقبولة ورائجة، شريطة أن تكون الدولة الشيعية في جنوب العراق ضمن دول الخليج، وأن تكون دولة الفرات الأوسط دولة شيعية مقدسة تجبى إليها زكاة الخمس الشيعية في العالم، وتكون قبلة للزائرين والسواح، وأن تكون هذه الدولة في صراع على المرجعية مع قم الإيرانية.
أما موقف ليبيا فإنها أقرت حق تقرير المصير للشعب الكوردي، وقيام الدولة الكوردية[22].
أما موقف الكيان الصهيوني من تكوين الدولة الكوردية وتقسيم العراق، فيظهر في دراسة أكاديمية من قبل مركز الأبحاث السياسية في وزارة الخارجية الإسرائيلية، حيث ورد في الدراسة تقسيم وتفتيت الأقطار العربية الرئيسة كالعراق ومصر وسوريا والسعودية والجزائر. ومن أبرز الأسماء التي عملت في هذا المجال (رؤبين شيلواح)و ( يورام نمرودي)( مردخاي بن فرات) و ( شوشانا أربيلي)، وتم توجيههم للتحرك وإجراء الحوار مع الكورد... وورد في الدراسة استراتيجية تقسيم العراق الى مناطق بالإعتماد على الأسس الدينية والقومية.. ثلاث دول أو أكثر حول ثلاث مدن بغداد البصرة والموصل، حيث جاء فيها(( سنفصل المناطق الشيعية في الجنوب عن المناطق السنية والكوردية في الشمال، ومن المحتمل أن تعمق الحرب الحالية بين العراق وإيران هذه الفكرة))([23]).
من هنا نرى أن تكوين الدولة الكوردية وتقسيم العراق الى أكثر من أربع دول حقيقة قائمة.
|
عرض/عبد الجبار سعيد يقع الكتاب في مقدمة وسبعة فصول وخاتمة، حيث أشار في مقدمته إلى إجمالي التحولات التي حصلت في المواقف الأوروبية بعد 11 سبتمبر/أيلول، بحيث دخلت أوروبا بيت الطاعة الأميركي وأصبحت المواقف في ما بينهما متناغمة واختفت حالة التنافس. الهيمنة الأميركية
جاء الفصل الأول بعنوان "أميركا: في البدء كانت الهيمنة"، حيث بين الكاتب أن الهيمنة الأميركية أصبحت مؤكدة اليوم ومفروضة كواقع، وإذا كانت هذه الهيمنة مشكوكا في أمرها في عام 1945 فهي اليوم ليست كذلك. كما أن أميركا اليوم سيد يريد الاحتفاظ بهيمنته وسيطرته على مرؤوسيه، مع جعلهم يدفعون ثمن هذه القيادة. كما يشير الباحث إلى أن النموذج الأميركي غدا الأكثر إبهارا في العالم. سواء على صعيد النهوض الاقتصادي وتوظيف العولمة أو على الصعيد الثقافي. كما توقف المؤلف أمام دبلوماسية التجويع التي اعتادتها أميركا لأنها أيقنت منذ وقت مبكر أنها لن تتمكن من لعب دور أساسي في العالم، ما لم تتمكن من فرض هيمنة إنتاجها الضخم. وقد استعرض المؤلف الإجراءات التي اتخذتها أميركا لتحقيق ذلك، وتحت عنوان منطق الزعامة واحتكار القرار تحدث المؤلف عن مجموعة من الأحداث في مسيرة أوروبا والعالم، مهدت لترسيخ الهيمنة الأميركية السياسية والعسكرية والاقتصادية والثقافية، بدءا من سقوط جدار برلين إلى ظهور ما يسمى الإرهاب الإسلامي وغير ذلك من العوامل. كما بين بطلان مقولة فقدان حلف الناتو لمبرر وجوده، وتحدث عن الإستراتيجية الجديدة للناتو القائمة على التوسع، واستيعاب مزيد من دول أوروبا الشرقية. وتحت عنوان الناتو: سياسة البطش وبطش السياسة، تحدث عن محاور تأسست عليها هذه العقيدة الجديدة تتمثل في مصادر التهديد الجديدة، والمسرح الجديد للعمليات، والمرجعية السياسية لاتخاذ القرار. نصف قرن من الأحلام كما استعرض في الفصل الثاني أحلام قادة أوروبا باتجاه أوروبا العظمى، وأن هذا الحلم عمره أكثر من نصف قرن، كما تحدث المؤلف عن فوائد توسيع الاتحاد الأوروبي، وعن أهمية العلاقة بين الاتحاد الأوروبي واتحاد دول غرب أوروبا، وما ستحتاجه أوروبا من أجل عملية التوسيع للاتحاد، سعيا للوصول إلى قارة أوروبا الموحدة، سواء على صعيد استيعاب الدول الجديدة، سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، بما يتضمنه ذلك من معالجة مشكلات الفقر والبطالة. وقد أشار المؤلف إلى أهمية نجاح اليورو في مواجهة الدولار على خطى الوحدة الأوروبية، وبعض التذبذبات التي تعرض لها اليورو وانعكاسات ذلك على الوحدة الأوروبية. وأشار المؤلف إلى توجهات الأوربة في مواجهة الأمركة في مراحل التسعينيات، والتنافس بين الجانبين الذي كان يتجسد في الجانب الأوروبي في الثنائية الفرنسية الألمانية، في مواجهة محاولة تفرد أميركا بزعامة العالم، من خلال قيادة حلف الأطلسي، أو قرارات الحرب على العراق، أو حتى دخول أفريقيا حلبة التنافس الأميركي الأوروبي.
الإستراتيجية الأميركية تجاه أوروبا وقد تحدث عن عدد من النقاط الإستراتيجية التي تتبعها الإدارة الأميركية لتحقيق هذا الهدف ومن ذلك: اعتماد مبدأ التدخل الإنساني غطاء للتدخل في الكثير من المناطق في العالم وهذا ما كان في كوسوفو. بالإضافة إلى حرص أميركا على إثارة الانقسام في البلقان، والدفع بالظاهرة الإسلامية لتكون الشوكة في الخاصرة الأوروبية، والضغط على الاتحاد الأوروبي لقبول انضمام تركيا لقطار الوحدة الأوروبية. وقد أشار المؤلف إلى طبيعة السياسة الفرنسية في مواجهة السياسة الأميركية، كما تحدث المؤلف عن توظيف الولايات المتحدة للعامل الاقتصادي في الضغط على أوروبا فيما أسماه بالرؤوس النووية الاقتصادية، وحرب الموز والجبنة وطائرات الإيرباص، والرسوم الضريبية والجمركية. وتحدث عن أبرز نظريات المثقفين الأميركيين في التعامل مع العالم، وهما نظرية صراع الحضارات لهنتنغتون ونظرية نهاية التاريخ لفوكوياما، حيث يرى هنتنغتون أن الصدمة بين الغرب المتأمرك وباقي العالم ومنه العالم الإسلامي، ستكون أول صدمة تأتي في إطار العولمة، كما يتحدث نفر من رجال الإستراتيجية عن حرب باردة مجتمعية بين الغرب والإسلام تكون أوروبا مسرحا لها. ندوب على وجه أميركا تحت هذا العنوان جاء الفصل الرابع بعنوان, وتحدث فيه المؤلف عن ثقوب في الثوب الأميركي إشارة إلى كون الظاهرة الأميركية تعتريها أوجه خلل متعددة، فثمة فارق كبير بين أميركا الشعارات وأميركا الممارسة والتطبيق، إن على صعيد الحريات أو غيرها من التحديات التي تواجه المجتمع الأميركي، مثل: مشكلة التعددية والتنوع وانخفاض الإنتاجية وانتشار العنف والمخدرات. ويرى المؤلف ضمن حديثه عن أوهام الهيمنة أن القرن الحادي والعشرين سيكون متعدد القطبية، وأن سيطرة أميركا على العالم في هذا القرن وهم يصدقه ضعاف النفوس، ورأى أن أوروبا والدول الأوروبية بالنسبة لأميركا في حقيقتها خصوم لا حلفاء. وقد أشار المؤلف إلى محاولات أميركا إيجاد فتق في العلاقة الألمانية الفرنسية، وقد عقد المؤلف ضمن تصوره للرفض الأوروبي للهيمنة الأميركية عنوانا قال فيه "أنا أوروبي إذن أنا أكره أميركا".(طبعا هذا مرحلي كما سنرى مع نهاية الكتاب). كما تحدث المؤلف عن وجود عدد من المظاهر المؤشرة على وجود منافسين لأميركا وتفردها بالهيمنة على العالم كالصين مثلا.
مواجهة أوروبية لأميركا كما تحدث المؤلف عن الآمال التي تعلقها أوروبا على الديبلوماسية الفرنسية واستشعار فرنسا لأهمية ذلك والرؤى التي سعت لرسمها لمستقبل الوحدة الأوروبية وبناء المؤسسات الأوروبية وتفعيلها على طريق الوحدة. وأشار المؤلف إلى النموذج الإسباني الذي اختار رئيسا جديدا لوزراء إسبانيا (ثاباتيرو) دفعا باتجاه الابتعاد بإسبانيا عن العباءة الأميركية باتجاه أوروبي. أوروبا في بيت الطاعة وجاء الفصل السادس بعنوان أوروبا تعود إلى بيت الطاعة الأميركي، حيث استعرض المؤلف جملة من المواقف التي تدل على تحول في المواقف الأوروبية باتجاه التوافق مع أميركا، فما نسمعه في بروكسل جعجعة دون أن نرى طحنا. والسبب كما يقول المؤلف هو أن جسور الثقة والمصداقية التي سعت أوروبا وأميركا إلى تشييدها منذ سقوط حائط برلين كادت تندثر مع الأزمة العراقية، وهي أول أزمة تتعارض فيها الإرادتان والمصلحتان. وقد استعرض تطور الأزمة بين الطرفين، ورأى أن القزم السياسي الأوروبي خسر الرهان، وأن الضربة الأميركية لأوروبا تمثلت في مساندة ثماني دول أوروبية للموقف الأميركي، حتى تشكل محور بلير أزنار برلسكوني في مواجهة ألمانيا وفرنسا، وهو ما وجه ضربة قاصمة لفكرة السياسة الخارجية الأوروبية المحددة، ومازال التناقض قائما بين ما هو وطني وما هو اتحادي. كما يرى المؤلف أن الثوب الأوروبي لم يكن في الأصل ناصع البياض، وقد أشار إلى ما ألم بالمؤسسة الأوروبية نتيجة لبعض فضائح الفساد، وأثر التصويت الفرنسي ضد الدستور الأوروبي الموحد. وقد دلل المؤلف على هذا التراجع في الموقف الأوروبي وانصياعه للإرادة الأميركية، بالمبادرة الأوروبية تجاه الشرق الأوسط وتعامل أوروبا مع العراق فيما بعد، وانخفاض سقف المطالب الأوروبية لتتلاءم مع المطالب الأميركية، ومبادرتها تجاه الشرق الأوسط، وتجاه التعامل مع مفردات الأزمة العراقية فيما بعد.
تقارب أوروبي أميركي ومن تلك النماذج انتحار سياسة الحوار النقدي مع إيران ويقصد بذلك تهاوي فكرة الحوار الذي دعت إليه أوروبا في التعامل مع أزمة ملف إيران النووي، أمام سياسة العصا الغليظة التي أعلنها الرئيس الأميركي، وتسلسل الأزمة حتى وصلت إلى مجلس الأمن وبات واضحا أن أميركا تمسك بالملف النووي الإيراني وأن دعوة أوروبا إلى الحوار ليست إلا شكلا من أشكال الديكور الخارجي. ومثل ذلك يمكن أن يقال في تحول الموقف الأوروبي بشكل مفاجئ خاصة الفرنسي تجاه سوريا، واعتراف الرئيس الأميركي بدور الرئيس شيراك في استصدار قرار مجلس الأمن ضد الوجود السوري في لبنان. وقد كان المتوقع أن تكون فرنسا حاضنة سوريا التي تسعى للدفاع عنها، مما وضع سوريا بين مطرقة أميركا وسندان أوروبا وبات صوت سوريا غير مسموع في الدفاع عن نفسها رغم تلبيتها لكل المطالب الدولية في محاولة منع التسلل إلى العراق وفي الانسحاب من الأراضي اللبنانية. أما الضغط الأميركي على أوروبا فيما يخص انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، فأوضح من أن يحتاج إلى تفصيل، حتى عدت فرنسا ذلك من قبيل التدخل في الشؤون الداخلية الأوروبية في مرحلة من المراحل، وكانت توضع الشروط من هنا وهناك ثم لم تلبث المواقف أن تحولت وبدأ التفاوض على انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي، واختفى كثير من الشروط التعجيزية الساعية لعرقلة هذا الانضمام. ولا يقل شأنا عن ذلك ما أسفرت عنه فضيحة السجون السرية الأميركية في أوروبا، وما دلت عليه من توافق بين الطرفين، بل رضا الديمقراطية الأوروبية بتجاوز الضوابط الأخلاقية الإنسانية، والسماح للاستخبارات الأميركية بفعل ما لم تسمح به الديمقراطية الأميركية. وكذلك طبيعة الدور الذي قامت به وزيرة خارجية أميركا، لتضليل الرأي العام الأوروبي وإقناعه بتلافي تضخيم الأزمة، وعدم قبول انعكاسها على الدفء الذي دب في العلاقات الأطلسية، والذي لم يعد مسموحا معه بالرجوع إلى الوراء أو حدوث الأخطاء كما قالت. ولعل أبرز ما يدل على التحول الأوروبي هو توجه الرئيس شيراك بالتهنئة للرئيس الأميركي وللدول الغربية بانتصار ما أسماه القيم الديمقراطية الأميركية والغربية في العراق، بعدما كان رافضا لتلك الحرب. وقد عرض المؤلف في نهاية هذا الفصل ما أسماه شهادات ووثائق، وهي مقالات لكتاب أوروبيين وأميركيين تؤكد ما ذهب إليه في طبيعة العلاقة الأميركية الأوروبية، كما عرض في الخاتمة ملامح أولية لاتفاق دولي جديد يقوم على الشراكة الأطلسية. |
([1] ) الأعداد (2)، و(4).عامي 2000 و 2001. من مجلة الهدى.
([2]) قناة ( إن تي في) التركية 26/2/ 2007.
([3] ) صحيفة الحياة يوم 22-3-2007، الصحفي غسان شربلي مراسل الجريدة.
([4]) صحيفة كوردستان رابورت، العدد 161، السنة الثانية، 25 نيسان 2007.
([5]) في معظم الفضائيات العربية أكثر من مرة وبالأخص الجزيرة.
([6]) سمعت هذا القول أكثر من مرة شفهياً من الدكتور منذر الفضل.
([7] ) ينظر: الدكتور محمد البازياني، فكرة تفتيت العراق بين الوهم والحقيقة وموقع الكورد من هذا التفتيت، مجلة الهدى، العدد (3) السنة الأولى ربيع 2001م. المقطع مأخوذ مجلة الوعي العدد ( 108 آيار 1996) الدولة الكوردية والمخططات الأمريكية.
([8] ) د. محمد سيد نوري البازياني، فكرة تفتيت العراق بين الوهم والحقيقة وموقع الكورد من هذا التفتيت، المصدر السابق، ص54.
([9] ) ملف السياسة الدولية، المسألة الكوردية: الجذور والآفاق، ص 136، ومجلة الهدى العدد 3 مصدر سابق ص 53.
([10] ) د. محمد سيد نوري البازياني، ص 53.
([11] ) من المقرر عقد مؤتمر شرم الشيخ حول الواقع العراقي في أوائل مايس من هذا العام وكذلك مؤتمر العهد الدولي لمساعدة العراق.
([12] ) دبلوماسي أمريكي له خبرة طويلة في معظم الدول التي تعرضت للتجزئة والتفتت، مثل يوغوسلافيا، أو اقتطعت منها أجزاء، مثل اندونيسيا. و كان في الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي أحد أعضاء لجنة الشؤون الخارجية في الكونغرس الأميركي. جدير بالذكر أن بيتر غالبريث قد تردد على العراق مرات عدة خلال الـ 21 عاماً الماضية خلال التحولات التاريخية التي شهدتها البلاد، مثل الحرب العراقية ـ الإيرانية، وانتفاضة 1991، وفي أعقاب حرب 2003، وعند كتابة الدستور العراقي.
([13] ) صدر مؤخراً عن دار سايمون أند شوستر الأميركية، 2007 ويشتمل على 272 صفحة من القطع المتوسط،.
([14] ) برنامج ما وراء الخبر ليلة 8/ 2 / 2007تلفزيون الجزيرة.
[16] ) مجلة الوعي ، العدد 108 ، آيار 1996، الدولة الكوردية والمخططات الأمريكية، ص 14.
([17] ) أبو رنج، وحدة العراق في منظور الإدارة الأمريكية، مجلة راية الإسلام، السنة العاشرة ، العدد الأول ، آذار 1996.
([18] ) المصدر السابق، للمزيد ينظر: محمد سيد نوري البازياني، فكرة تفتيت العراق بين الوهم والحقيقة وموقع الكورد من هذا التفتيت، مرجع سابق.
) مجلة الهدى، العدد (3)، مصدر سابق، ص57.[19] (
([20] ) قناة الجزيرة ليلة 6-3-2007. تقرير معد من قبل يوسف الشريف مراسل الجزيرة في تركيا في برنامج هذا المساء.
[21] تناقلتهم معظم الفضائيات، ومنها قناة الجزيرة والعربية وكورد ساة.
[22] مجلة الشؤون السياسية، مجلة فصلية سياسية فكرية العدد6 السنة الثانية 1996، مركز الجمهورية للدراسات الدولية ص 10
[23] المصدر السايق، نفس الصفحة ومجلة الهدى، العدد (3)، مصدر سابق، الدكتور محمد سيد نوري.